فتح الإسلام: حين تتوافر البيئة المناسبة

(“Fatah Al-Islam: When the appropriate environment becomes available” in al-Akhbar, Lebanon.

فتح الإسلام: حين تتوافر البيئة المناسبة

فداء عيتاني خلال اجتماع لمجلس الأمن المركزي منذ بضعة أشهر، طرح وزير العدل إبراهيم نجار مسألة المعاهد الدينية التي تخرّج من وصفهم بالتكفيريين، والتي تتبنى مناهج دراسية عدّها متطرفة. تمّ احتواء الأمر حينها عبر تكليف فرع المعلومات متابعة الأمر بالتنسيق مع دار الفتوى، نظراً إلى حساسية التعامل مع المعاهد التعليمية الدينية.
كان وزير العدل مباشراً، بحسب ما ينقل بعض من شارك في الاجتماع، في تسميته لبعض المعاهد التي تشير التحقيقات مع موقوفين جهاديين إلى تلقّيهم التعليم كلياً أو جزئياً على مقاعدها. ولكن متابعة الموضوع في لبنان تحتاج إلى موافقات مسبّقة وتخضع لتوازنات ولمراجع دينية، كما يتعلّق الأمر في أغلب الأحيان بعلاقات المعاهد بدول صديقة، كالمملكة العربية السعودية والكويت وقطر وغيرها.
أمس، اعتُقلت شبكة من الجهاديين العرب القادمين إلى لبنان. وبحسب بيان قيادة الجيش الذي لخّص أربعاً من مهمّاتهم، فقد أُقيم الربط بينهم وبين تنظيم فتح الإسلام، ما يعيدنا إلى التساؤل عن التسهيلات التي حصل عليها التنظيم في الأوساط الجهادية اللبنانية، أو السلفية غير الجهادية، وأين كان الجيل الثاني من تنظيم فتح الإسلام يتعلم ويعمل في لبنان قبل أن يتبلور خلايا ناشطة بعد تدمير مخيم نهر البارد.

إلا أن طرح الأمر من الناحية الأمنية لا يمثّل أكثر من محاولة قاصرة أخرى للتعامل مع الملف الجهادي في البلاد. والاعتقالات، وإن كانت من أولويات عمل أجهزة الأمن في البلاد، فإنها حتماً ليست كافية. النزاع بين الطوائف يبلغ من الحدّة ما يوحي بأنّ وجود استشهاديين هو ما ينقص المشهد إذ إن ما يمكن استخلاصه من التوقيفات الأخيرة، التي أُعلنت أمس، وقبلها مجموعة الدوسري الكويتي الذي كان من ضمن الأفغان العرب، هو التالي: إن القاعدة، كما أشار الدكتور أيمن الظواهري أكثر من مرة، ترى في لبنان أرضاً للجهاد، وإن كانت الظروف التقنية لم تعد تساعد على الانتشار الجهادي السريع، إلا أن هذه البقعة الجغرافية قد وضعت تحت النظر كمنفذ لأزمة التنظيم الدولي التي قد لا تطول.
ثانياً، إن في هذه البلاد مجموعات متعددة، قد يُعتقل بعضها، وقد يوضع بعضها الآخر تحت المراقبة الأمنية، إلا أن ثمة فراغاً أمنياً ـــــ سياسياً يسمح لكل من يرغب في الجهاد بالقدوم إلى لبنان لتحقيق طموحاته. فمن ناحية، يعدّ الجهاديون في لبنان أنفسهم تحت الخطر وبحالة غبن، ويرون أنّ اليونيفيل تتصرف كأنها سلطة احتلال غربية تساعد إسرائيل على استكمال أهدافها بالإعداد لحرب مقبلة ولا شك. ومن ناحية أخرى، فإن النزاع بين الطوائف الرئيسية يبلغ من الحدّة بعض الأحيان ما يوحي بأن وجود استشهاديين هو وحده ما ينقص المشهد، كذلك فإن اقتصار المعالجات في ملف رئيسي كملف الجهاديين على الجانب الأمني يزيد من تحشيد الشبان إلى جانب الفكر السلفي الجهادي.
وثالثاً، إن التعامل مع الجهاديين، كما مع المخيمات الفلسطينية ـــــ التي تقف اليوم أمام عتبة تصفية جديدة قد لا نتمكن من تخيّل شكلها ـــــ التعامل مع هذين الملفين قد يكون أخطر من أن يترك للعسكر وحدهم في ظل شرذمة سياسية، وربما بعض التشجيع غير المباشر للجهاديين، عبر النزاعات المذهبية الداخلية.
رابعاً، إن كان من شيء يمكن استنتاجه من بيان الجيش اللبناني، فهو أن إعادة تسليط الضوء على فتح الإسلام يجب أن تكون عبر إعادة القراءة السياسية للمرحلة التي حلّ فيها التنظيم المذكور ضيفاً على البلاد، وأن الخلايا التي تعمل اليوم لم تعد ترتبط بدولة العراق الإسلامية، بل بأفغانستان والخلايا القاعدية في الغرب. وبالتالي فإن الصورة النمطية التي تُرسم للملف الجهادي في لبنان تحتاج إلى نفَس وعلاجات سريعة، وخاصة لناحية التوترات المحلية، ووضع قوات الطوارئ وأوضاع المخيمات الفلسطينية، والعلاقة مع سوريا، كما أوضاع المناطق الفقيرة في لبنان، وموقع الطوائف في السلطة، وموقف ديني واضح في المراكز والمعاهد التعليمية المحلية، قبل أن يبدأ الجنود بمعالجة ظواهر سياسية بالعصا الأمنية.
هل من الأجدى أن نسأل اليوم عن دور سوريا، كما لمّحت إحدى الوكالات الأجنبية، أم نسأل أين أصبحت مطالب وزير العدل، وما الذي قام به فرع المعلومات؟

عدد الاربعاء ٢٢ تموز ٢٠٠٩

Leave a comment

Filed under Arabic, Politics

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s